بيروت-باريس
28 يوليو/تموز 2026
يعرب مركز وصول لحقوق الانسان (ACHR)، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد وتيرة المداهمات التي تستهدف مخيمات اللاجئين السوريين في محافظة البقاع خلال الأسبوعين الماضيين، والتي رافقتها عمليات اعتقال و مصادرة سيارات ودراجات نارية وترحيل وهدم مساكن اللاجئين، من دون ضمانات قانونية أو قضائية واضحة تحمي حقوق الأشخاص المتضررين، إلى جانب إفادات متكررة عن سوء معاملة وضرب. إن هذه الحملة لم تتوقف طوال الأعوام السابقة، وتتزايد بشكل مستمر من دون توقف رسمي، ويستند هذا البيان إلى توثيق ميداني قام به مركز وصول لحقوق الانسان عبر جمع شهادات من سكان المخيمات ومصادر ميدانية موثوقة، مع الإشارة إلى أن بعض المعطيات، وخصوصاً المتعلقة بالأعداد الدقيقة للموقوفين والمرحّلين في بعض الحوادث، لا تزال قيد التحقق المستقل.
أولاً: الوقائع الموثقة
١. مخيم قب إلياس – قضاء زحلة (10 تموز/يوليو 2026)
فجر يوم الجمعة الواقع فيه 10 تموز/يوليو 2026، وعند حوالي الساعة الرابعة والنصف فجراً، نفذت وحدات من الجيش اللبناني مداهمة استهدفت عدداً من مخيمات اللاجئين السوريين في بلدة قب إلياس، قضاء زحلة، بمحافظة البقاع. أودت المداهمة عن توقيف ستة لاجئين سوريين فيما تعرّض شخصين آخرين للضرب من قبل عناصر الجيش من دون توقيفهما، بحسب شهادات تلقاها المركز. كما وتم مصادرة دراجة نارية وسيارة تعودان لسكان المخيم. نُقل الموقوفون إلى مركز عسكري في منطقة البقاع، قبل ترحيلهم عبر معبر المصنع الحدودي إلى الجانب السوري. وبحسب إفادات سكان المخيم، بررت الجهات الأمنية العملية بإجراءات تفتيش أمني، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالدخول غير النظامي إلى لبنان أو بانتهاء صلاحية إقامات بعض الأشخاص.
٢. مخيم بلدة الفاعور – قضاء زحلة (14 تموز/يوليو 2026)
رصد المركز معلومات حول مداهمة استهدفت مخيمات للاجئين السوريين في بلدة الفاعور بقضاء زحلة، ترافقت مع أنباء عن توقيف وترحيل عشرات الأشخاص إلى سوريا. ويشير المركز إلى أنه لم يتمكن من التحقق بشكل مستقل من الأعداد الدقيقة للموقوفين أو المرحّلين أو مصيرهم حتى تاريخ هذا البيان.
٣... هدم “مخيم فادي الميس” في منطقة بر إلياس – دير زنون (16 تموز/يوليو 2026)
رصد المركز قيام مخابرات الجيش اللبناني، بالتعاون مع بلدية بر إلياس وشرطتها، بتنفيذ عملية هدم وإخلاء قسري لمخيم للاجئين السوريين يُعرف باسم “مخيم فادي الميس” في منطقة بر إلياس – دير زنون بتاريخ 16 تموز/يوليو 2026.
وبحسب المعلومات التي وثقها المركز، يتألف المخيم من أكثر من 32 خيمة، ويقطنه نحو 35 عائلة سورية لاجئة مسجلة لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تقيم في الموقع منذ أكثر من عشر سنوات. ويُقدَّر عدد سكان المخيم بحوالي 400 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عملية الهدم والإخلاء جاءت على خلفية خلاف بين مالكي العقار، حيث عمد أحد المالكين إلى الاستعانة بالبلدية وشرطتها، إضافة إلى الجيش اللبناني ، لتنفيذ عملية الإخلاء بالقوة. كما تلقى المركز إفادات تفيد بتعرض عدد من الشبان للضرب خلال العملية. وأدت عملية الهدم إلى تشريد عشرات العائلات التي فقدت مساكنها وممتلكاتها، حيث اضطرت بعض الأسر إلى التفرق في مناطق مختلفة من البقاع بحثاً عن مأوى بديل، فيما عاد عدد من السكان إلى سوريا بعد عجزهم عن إيجاد مكان آخر للإقامة داخل لبنان.
٤. مخيم بلدة بتدعي – دير الأحمر (23 تموز/يوليو 2026)
فجر يوم الخميس الواقع فيه 23 تموز/يوليو 2026، نفّذ الجيش اللبناني ومخابراته مداهمة في مخيم للاجئين السوريين في بلدة بتدعي – دير الأحمر، أسفرت عن توقيف 11 لاجئاً سورياً، وسط إفادات متطابقة تفيد بتعرضهم للضرب وسوء المعاملة أثناء عملية المداهمة وخلال التحقيق.
وبحسب المعلومات التي وثقها المركز فقد جرى نقل الموقوفين إلى أحد الفروع التابعة لمخابرات الجيش اللبناني في بلدة دير الأحمر، حيث خضعوا للتحقيق. وأفادت الشهادات التي تلقاها المركز بأن جميع الموقوفين تعرضوا للضرب خلال فترة الاحتجا.ز وفي وقت لاحق، أُخلي سبيل خمسة من الموقوفين بعد التحقق من امتلاكهم أوراق إقامة قانونية، رغم كونها منتهية الصلاحية. أما الموقوفون الستة الآخرون، فقد نُقلوا إلى مركز تابع للأجهزة الأمنية في منطقة أبلح، قبل أن يتم ترحيلهم إلى سوريا خلال الليلة نفسها. و بحسب المعلومات المتوفرة، ارتبطت أسباب التوقيف والترحيل بعدم حيازة المرحلين لوثائق شخصية أو إقامة قانونية في لبنان.
تأتي هذه المداهمات في سياق إجراءات تضييق متواصلة تطال اللاجئين السوريين في مناطق عدة من البقاع والشمال، من بينها فرض حظر تجوال ليلي يستمر حتى الساعة الثامنة مساءً، حجز سيارات ودراجات نارية يملكها لاجئون سوريون، فرض رسوم بلدية شهرية على العائلات، تحت التهديد بالطرد في حال الامتناع عن الدفع. كما ونصب حواجز أمنية في عدة مناطق (برقايل، بزال، قبعيّت، حرار، السدقة، مشمش)، بالتوازي مع مداهمات لمطلوبين في قضايا أخرى.
ويرى مركز وصول لحقوق الإنسان أن تزامن هذه الإجراءات مع المداهمات المتكررة يثير مخاوف جدية من وجود نمط استهداف جماعي للاجئين السوريين على أساس وضعهم القانوني أو انتمائهم، من دون ضمانات قانونية أو قضائية كافية تحمي كل فرد منهم على حدة.
ثانياً: الإطار القانوني
ينص الدستور اللبناني في مقدمته (الفقرة ب) على التزام لبنان بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى أن الدولة “تجسد هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء”. كما تنص المادة 8 صراحة على أن “الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن أن يُقبض على أحد أو يُحبس أو يُوقف إلا وفاقاً لأحكام القانون”. وبذلك فإن أي توقيف أو احتجاز يجب أن يستند إلى إجراءات قانونية وقضائية واضحة، لا إلى ممارسات إدارية أو أمنية تعسفية. كما وانه سندًا لأحكام قانون الأجانب تاريخ 10/7/1962 وتعديلاته يمنح المدير العام للأمن العام صلاحية إصدار قرارات ترحيل بحق الأجانب في حالات استثنائية محددة. غير أن ممارسة هذه الصلاحية يجب أن تبقى محكومة بضوابط الفرز الفردي لكل حالة، وعدم التمييز، وعدم تعريض المرحّل لخطر حقيقي في بلد المقصد، وأن لا يُستعاض عن السلطة المختصة بموجب القانون (الأمن العام) بجهات أخرى تنفذ التوقيف والترحيل ميدانياً دون سند قانوني واضح، كما تشير الوقائع الموثقة أعلاه إلى دور مباشر للجيش اللبناني ومخابراته في هذه العمليات. و يثير غياب المعلومات في الحوادث موضوع هذا البيان قلقاً جدياً، من حيث تطبيق الضمانات التي ينص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية كالضوابط الإجرائية للتوقيف والاحتجاز، بما فيها حق الموقوف بالتواصل مع ذويه ومحامٍ، والمهل الزمنية للاحتجاز قبل عرضه على القضاء المختص.
وبما أن لبنان عضو في الأمم المتحدة وقد ساهم في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وهو طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل الحق في الحرية والأمان على الشخص، ويحظر التوقيف أو الاحتجاز التعسفي، ويكفل حق كل موقوف بأن يُبلَّغ فوراً بأسباب توقيفه وبالتهم الموجهة إليه، وأن يمثل سريعاً أمام قاضٍ، وأن تُتاح له سبل الطعن أمام محكمة في قانونية احتجازه. كما أنه طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي تحظر إخضاع أي شخص للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة، وتحظر إعادة أي شخص قسرًا إلى دولة توجد فيها أسباب جدية للاعتقاد بأنه سيتعرض فيها لخطر التعذيب. كما يكرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، ولا سيما المواد المتعلقة بحظر التوقيف أو الاحتجاز أو النفي التعسفي، وحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحق كل فرد في التملك وعدم حرمانه من ملكه تعسفًا، مجموعةً من المبادئ الأساسية التي يتعين على لبنان احترامها والالتزام بها. وبناءً عليه، فإن انضمام لبنان إلى هذه الصكوك الدولية، بوصفه دولةً عضوًا مؤسسًا في الأمم المتحدة وطرفًا في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، يرتب عليه التزامًا قانونيًا باحترام أحكامها وتنفيذها بحسن نية، ومواءمة تشريعاته وممارساته الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما يضمن عدم الإخلال بالحقوق والحريات التي تكفلها هذه الصكوك.
وبذلك يعرب مركز وصول لحقوق الانسان قلقه إزاء عدد من العناصر المشتركة بين الحوادث الموثقة أعلاه، وهي غياب الشفافية القانونية من خلال عدم توضيح الأسس القانونية والقضائية الدقيقة التي استندت إليها عمليات التوقيف والترحيل، وعدم إتاحة المعلومات الكافية لعائلات الموقوفين حول أماكن احتجازهم أو مصيرهم، كما هي الحال في حادثة بتدعي – دير الأحمر، وإفادات متكررة حول سوء المعاملة والضرب أثناء عمليات التوقيف والهدم، ما يستوجب فتح تحقيق مستقل وشفاف في هذه الادعاءات. كما ان الترحيل مجموعات من الافراد من دون فرز فردي كافٍ للحالات للتحقق من عدم تعرض أي منهم لخطر عند العودة إلى سوريا، قد يشكل مخالفة لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
فضلا عن ذلك يثير هدم المساكن والإخلاء القسري، في حادثة “مخيم فادي الميس” حيث تم هدم مسكن جماعي لعائلات لاجئة وإخلاؤها قسرياً، تساؤلات جدية حول مدى مراعاة الضمانات القانونية والإنسانية الدنيا، بما في ذلك الإشعار المسبق وإتاحة بدائل سكنية مناسبة. كما أن تزامن هذه الإجراءات مع ممارسات إضافية، مثل فرض حظر التجوال، وحجز السيارات، وفرض رسوم شهرية تحت التهديد بالطرد، قد يعكس نمطاً من الإجراءات التمييزية والمعاملة الجماعية التي تستهدف مجموعة سكانية بعينها على أساس أصلها ووضعها القانوني، بما يتعارض مع مبدأ عدم التمييز والضمانات الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
استناداً إلى ما تقدم، يدعو مركز وصول لحقوق الإنسان السلطات اللبنانية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والبلديات، وقيادة الجيش اللبناني، والنيابات العامة المختصة، إلى:
- فتح تحقيق مستقل وشفاف في جميع الادعاءات المتعلقة بالضرب وسوء المعاملة الواردة في هذا البيان، ومحاسبة أي عناصر يثبت تورطهم في انتهاكات.
- وقف عمليات الترحيل الجماعي وضمان فرز فردي لكل حالة على حدة، بما يتوافق مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، ولا سيما بالنسبة للأشخاص الذين قد يتعرضون لخطر حقيقي عند عودتهم إلى سوريا.
- وقف عمليات هدم المساكن والإخلاء القسري لمخيمات اللاجئين، وإجراء أي إجراءات إدارية بحق هذه المخيمات ضمن الأطر القانونية، ومع إشعار مسبق كافٍ وإتاحة سبل انتصاف فعالة للمتضررين.