٢٢يناير٢٠٢٦
تدق عشر منظمات حقوقية ناقوس الخطر إزاء ما يشكّل عمليًا سياسة ترحيل مُقنَّع تقوّض التزاماتمصر الدستورية والدولية، وتدعو إلى وقف فوري لحملات التوقيف والاحتجاز والإجبار على الترحيلالقسري المرتبطة بوضع الإقامة فقط، والامتناع عن أي قرارات إبعاد أو «مغادرة قسرية» بحق السوريين/ات وغيرهم من اللاجئين/ات الذين وضعتهم الإجراءات غير العادلة في مسار غير نظامي يعاقبون عليه، وتدعو المنظمات إلى وضع مسارات قانونية عادلة وواضحة لتقنين الأوضاع والاعتراف بالمستنداتالمؤقتة، وضمان رقابة قضائية فعّالة على أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء، وتمكين المفوضية الساميةلشؤون اللاجئين من الوصول إلى جميع المحتجزين وتقديم المشورة القانونية لهم والطعن في قراراتالترحيل قبل تنفيذها.
تشهد مصر في الشهور الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والممارسات المتعلقة باللاجئين والمهاجرين، يتجلى بوضوح في استهداف اللاجئين واللاجئات السوريين عبر تغييرات إدارية وقانونية مفاجئة، وحملات أمنية واسعة النطاق في عدة محافظات بالتزامن. هذا التصعيد لا يمكن اعتباره مجرد “تطبيق لقواعد الإقامة”، بل يرقى إلى سياسة ترحيل مُقَنَّع تهدف إلى دفع اللاجئين إلى مغادرة البلاد تحت الضغط والخوف، وتقويض منظومة الحماية الدولية على الأراضي المصرية.
منذ عام 2024، أدت القرارات المرتبطة بإلغاء أو تعطيل تجديد الإقامات السياحية، وتشديد شروط الإقامة، وربطها بمسارات محدودة مثل التسجيل لدى مفوضية اللاجئين أو الدراسة أو الاستثمار، إلى دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة “عدم انتظام” قانوني مفروضة قسرًا، في ظل مواعيد ممتدة للحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد لدى إدارات الجوازات قد تصل إلى عامين. ورغم محاولات كثيرين الالتزام بالقنوات الرسمية، فإنهم تُركوا في فراغ قانوني لا تتحمل مسؤوليته الأسر والأفراد بل السلطات التي أغلقت فعليًّا مسارات التقنين. ووضَعَ الغير مسجلين من السوريين في مسار تقنين غير عادل- شمل المهاجرين من بينهم السوريين/ات المقيمون/ات بتصريح إقامة غير اللجوء والتماسه- بدفع مبلغ ألف دولار أو ما يعادله مع إثبات مستضيف مصري في وضع وصفته منصة اللاجئين سابقا بأنه “استغلال منمنظور عقابي” موضحة أنه يخالف القانون ولا يحقق غرضه.
هذا الفراغ القانوني تُرجم ميدانيًّا إلى حملات تفتيش وكمائن أمنية موسعة في أحياء معروفة بوجود تجمعات سورية في القاهرة والجيزة والإسكندرية -بحسب الإبلاغات الواردة- خلال الفترة بين بداية الأسبوع الثاني من يناير/كانون الثاني 2026 وحتى نشر هذا البيان، مع رصد حالات توقيف في الغردقة، إذ يجري توقيف أفراد وعائلات من الشارع وأماكن السكن والعمل بدعوى عدم حمل إقامة سارية أو لمجرد “الاشتباه”، بما في ذلك أشخاص مسجلون لدى مفوضية اللاجئين أو يحملون مستندات مواعيد لتجديد تصاريح الإقامة. في العديد من الحالات، تقرر النيابة العامة إخلاء سبيل المحتجزين لغياب نص تجريمي لوضعهم، باعتبار أن انتظار تسوية الإقامة -رغم عدم انتظامه الشكلي- وضع قانوني يمكن تصويبه، إلا أن الإفراج لا يُنفَّذ عمليًّا، بل يُستمر في احتجازهم على “ذمة الأمن الوطني/الجوازات والهجرة” في صورة احتجاز إداري مفتوح، ويُطلب من بعض العائلات حجز تذاكر سفر تمهيدًا لإبعاد ذويها من البلاد.
ترتب على ذلك من انكشاف عشرات الآلاف قانونيًّا، فضلًا عن محاولات دفع اللاجئين إلى “العودة” أو مغادرة مصر في ظل استمرار مخاطر جسيمة في بلد الأصل. ويكتسب هذا النمط خطورة مضاعفة في ضوء بيان صادر عن السفارة السورية في القاهرة يعترف بوجود حملات أمنية تستهدف السوريين، ويقدمها بوصفها حملات “اعتيادية” لتدقيق أوضاعهم، في تجاهل واضح للطبيعة الانتقائية والتمييزية لهذه الحملات.
تتعارض هذه الممارسات مع التزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر على حياته أو حريته، ومع مبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاحتجاز التعسفي وتُلزم الدول بضمان الحق في مراجعة قضائية فعالة لقرارات الحرمان من الحرية والإبعاد. كما أن الاستخدام الواسع للاحتجاز الإداري في قضايا الهجرة، دون سقف زمني واضح أو ضمانات إجرائية أساسية مثل: حق الاتصال بمحامٍ، وحق إبلاغ الأسرة، وحق الوصول إلى مفوضية اللاجئين -يتنافى مع التوجهات الدولية التي تؤكد أن احتجاز المهاجرين واللاجئين يجب أن يكون إجراءً استثنائيًّا، يُلجأ إليه كملاذ أخير، وبأضيق نطاق ممكن.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد ضد السوريين عن السياق العام الذي يشهد توسعًا في الخطاب المعادي للأجانب، وشيطنة اللاجئين بوصفهم “عبئًا” أو “تهديدًا”، بالتوازي مع تمرير إطار تشريعي للجوء يكرس مقاربة أمنية على حساب الحقوق، كما حذرت منه مراجعات قانونية سابقة لمسودات قانون اللجوء في مصر. هذه البيئة لا تكتفي بإنتاج الوصم والتمييز، بل تدفع مقدمي الخدمات والمنظمات إلى تجميد أو تقليص أنشطتهم في ظل غياب الأمان للمستفيدين، بما يعمق أثر الأزمة على جميع اللاجئين والمهاجرين.
إن استمرار هذا النهج يقوّض منظومة الحماية الدولية للاجئين في مصر، ويمس جوهر التزامات الدولة بموجب الاتفاقيات الدولية والإقليمية، فضلًا عن الدستور المصري الذي يمنح المعاهدات الدولية التي صدقت عليها الدولة قوة القانون، ويحظر التمييز ويكفل الحق في الأمان الشخصي والكرامة الإنسانية لكل من يقيم على أراضيها. كما يدفع آلاف الأسر السورية إلى العيش في خوف دائم من القبض والاحتجاز والترحيل، ويقيّد حقوقهم الأساسية في العمل والتعليم والرعاية الصحية، ويزيد من تعرضهم للاستغلال الاقتصادي والأمني.
بناءً على ما سبق، تطالب المنظمات الموقعة أدناه بما يلي:
- الوقف الفوري لحملات التوقيف والتجريم والاحتجاز والإجبار على الترحيل القسري التي تستهدف السوريين وغيرهم من اللاجئين والمهاجرين على أساس وضع الإقامة فقط، والإفراج عن جميع المحتجزين على خلفية مخالفات إدارية قابلة للتسوية.
- الامتناع الكامل عن أي قرارات إبعاد أو “مغادرة قسرية” بحق السوريين، في ظل استمرار المخاطر الجسيمة في بلد الأصل، التزامًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية كقاعدة عرفية ملزمة في القانون الدولي.
- وضع مسارات قانونية واضحة وعملية لتقنين الأوضاع، تشمل الاعتراف بالمستندات المؤقتة (مثل مواعيد تجديد الإقامة أو إثبات التسجيل لدى مفوضية اللاجئين) باعتبارها وثائق توقف الملاحقة والاحتجاز، وتقليص مدد الانتظار أمام إدارات الجوازات والهجرة، ووقف استخدام التعقيدات الإدارية كأداة ضغط، ووقف الإجراءات غير القانونية الناتجة عن دفع الأشخاص لوضع غير مقنن ثم عقابهم ماليًّا وشخصيًّا على ذلك الوضع.
- ضمان خضوع أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء لرقابة قضائية فعالة، وتحديد سقف زمني واضح له، وتطبيق بدائل غير احتجازية، تماشيًا مع المعايير الدولية.
- تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من الوصول الكامل إلى جميع المحتجزين من طالبي اللجوء واللاجئين السوريين وغيرهم، وضمان حقهم في المشورة القانونية وفي الطعن الفعّال على أي قرار ترحيل قبل تنفيذه.
تؤكد المنظمات الموقعة أن حماية اللاجئين ليست منحة سياسية ولا أداة تفاوض مع شركاء خارجيين، بلالتزام قانوني وإنساني لا يجوز الالتفاف عليه عبر الإدارة الأمنية لملف الهجرة واللجوء أو عبر سياسات“الترحيل المُقنَّع” التي تدفع الناس إلى مغادرة البلاد تحت التهديد والخوف، بدل أن تضمن لهم الحدالأدنى من الأمان والكرامة على الأراضي المصرية.
المنظمات الموقعة:
١. الجبهة المصرية لحقوق الإنسان
٢. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
٣. المنبر المصري لحقوق الإنسان
٤. المفوضية المصرية للحقوق والحريات
٥. إيجيبت وايد لحقوق الإنسان
٦. مركز وصول لحقوق الإنسان
٧. مؤسسة دعم القانون والديمقراطية
٨. مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان
٩. منصة اللاجئين في مصر
١٠. منصة الهجرة وحقوق الإنسان
11. مركز النديم