يدين مركز وصول لحقوق الإنسان ومركز سيدار للدراسات القانونية بشدة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة بحق لاجئ سوري على يد الجيش اللبناني في لبنان.
تفاصيل القضية:
في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تم توقيف اللاجئ السوري خ.د في مقر إقامته الخاص على يد مديرية المخابرات في الجيش اللبناني في البقاع الغربي- جب جنين ،لبنان، وذلك عقب عودته من سوريا. وفي ليلة توقيفه، أُبلغت العائلة بأنه سيتم اقتياده للاستجواب لفترة وجيزة وأنه سيعود خلال يومين. إلا أنه استمر محتجزًا، كما تمت مصادرة أوراقه الثبوتية الشخصية، بما في ذلك شهادة إقامة مؤقتة منتهية الصلاحية.
بعد توقيفه، تم التأكد من احتجاز خ.د في وزارة الدفاع في بعبدا بتاريخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حيث بقي على تواصل مع عائلته، كما تم تعيين محامٍ لمتابعة قضيته في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. غير أنه في 22 كانون الأول/ديسمبر 2025، أُبلغت العائلة من قبل وزارة الدفاع بإخلاء سبيله. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتمكن العائلة ولا المحامي من التواصل معه، رغم المحاولات المتكررة. وبناءً عليه، ونظرًا لعدم توفر أي معلومات حول مكان وجود أو وضعه، يُعتبر أن اختفاءه قد وقع لحظة الإعلان عن إخلاء سبيله في 22 كانون الأول/ديسمبر. ونتيجة لذلك، يُعد خ.د مختفيًا قسرًا منذ 18 يومًا. ولا تزال عائلته تطالب بتوضيح مصيره، والكشف عن مكان وجوده، وتمكينها من تعيين محامٍ لتمثيله أمام الجهات المختصة.
السياق:
تُسلّط قضية خ.د، شأنها شأن العديد من الحالات الأخرى[1]، الضوء على سلسلة من الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من قبل السلطات اللبنانية، والتي تؤثر بشكل خاص على المجتمعات المتأثرة بالنزاعات، بما في ذلك اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين وغيرهم من الفئات الأكثر ضعفًا. وقد وثّق مركز وصول لحقوق الإنسان أربع حالات اختفاء قسري للاجئين سوريين في لبنان خلال عام 2025، إضافة إلى 933 حالة توقيف واحتجاز تعسفي بحق لاجئين سوريين. بينما وثّق وقدم الفريق القانوني في مركز سيدار 12 شكوى إختفاء قسري [2]إلى المدعي العام التمييزي خلال عامي 2023 و 2024 .
غالبًا ما يتعرض اللاجئون السوريون في لبنان للتوقيف، ثم اخفاؤهم قصرا ، دون توفير الضمانات القضائية أو احترام أصول المحاكمة العادلة، حيث يُحتجزون في ظروف مهينة ويُحرمون من حقوق أساسية، بما في ذلك الحق في التواصل مع أفراد الأسرة، والحق في التمثيل القانوني، والحق في الحصول على الرعاية الطبية، إضافة إلى الحرمان من الزيارات العائلية. كما شملت الانتهاكات الموثّقة سوء المعاملة، والاعتداء الجسدي، وحالات وفاة أثناء الاحتجاز. ويُعد اللاجئون السوريون في لبنان من الفئات الأكثر عرضة للاختفاء القسري، نظرًا لغياب الضمانات القانونية الكافية، والافتقار إلى وضع قانوني أو صفة لجوء معترف بها، الأمر الذي يزيد من مخاطر التعرض لانتهاكات جسيمة أخرى، بما في ذلك التعذيب والإعادة القسرية. ويساهم انعدام الوصول إلى الوثائق الأساسية وإثبات الوضع القانوني في خلق بيئة مواتية لقيام السلطات بتوقيف اللاجئين، مع الحفاظ على قدر من الإنكار أو التذرّع بعدم العلم، من خلال الامتناع عن الاعتراف بمصير الشخص أو مكان وجوده، بقصد وضع الضحية خارج نطاق حماية القانون. وبناءً عليه، تُبرز حالات مثل قضية خ.د الحاجة الملحّة إلى الامتثال الكامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حظر الاحتجاز السري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، واشتراط أن تتم جميع عمليات التوقيف استنادًا إلى مذكرة قضائية قانونية، وضمان الوصول الفوري والفعّال إلى محامٍ وإخضاع الاحتجاز للرقابة القضائية، والالتزام بإجراء تحقيقات سريعة ونزيهة ومستقلة في جميع حالات الاختفاء القسري.
التحليل القانوني:
يثير توقيف خ.د واحتجازه واختفاؤه اللاحق مخاوف جسيمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُعرَّف الاختفاء القسري على أنه «القبض على الأشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم أو أي شكل آخر من أشكال الحرمان من الحرية، يتم على يد موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات من الأشخاص يتصرفون بإذن أو دعم أو موافقة الدولة، ويتبعه رفض الإقرار بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، مما يضعه خارج نطاق حماية القانون»[3].
تم توقيف خ.د في منزله من قبل عناصر من الجيش اللبناني دون إبراز مذكرة توقيف للعائلة، في انتهاك للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[4]، الذي يُعدّ لبنان دولة طرفًا فيه وملزمًا بأحكامه. وإضافة إلى ذلك، تحظر القوانين الوطنية اللبنانية بشكل واضح التوقيف أو الاحتجاز التعسفي، وتنص على جملة من الحقوق، بما في ذلك “الحق في المعرفة” لأفراد الأسرة المنصوص عليه في المادة 2، وكذلك الحق في “المعاملة المتساوية دون تمييز” المنصوص عليه في المادة 4 من القانون رقم 105/2018 المتعلق بالمفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان[5]، فضلًا عن المادة 7 من الدستور اللبناني[6].وخلال فترة احتجازه، لم تتلقَّ عائلتة أي معلومات رسمية بشأن مكان وجوده أو وضعه القانوني، الأمر الذي يشكّل انتهاكًا لحقوقه الأساسية كمحتجز.
يضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، بما في ذلك الحق في التواصل مع أفراد أسرهم، والحق في أن يُبلَّغوا على وجه السرعة، وبلغة يفهمونها، بأسباب توقيفهم وأي تهم موجهة إليهم (المادة 9(2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وكذلك الحق في أن يُعرضوا دون تأخير أمام سلطة قضائية مختصة، وأن تُراجع قانونية احتجازهم من قبل محكمة (المادتان 9(3) و9(4) من العهد نفسه). كما أن مصادرة وثائقه الشخصية وحرمانه من الوصول إلى محامٍ يشكّلان انتهاكًا إضافيًا لضمانات الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادتين 9 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتُثير ظروف توقيفه واختفائه اللاحق أيضًا تطبيق المعايير المتعلقة بالاختفاء القسري المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. ورغم أن لبنان ليس دولة طرفًا في هذه الاتفاقية، فإن حظر الاختفاء القسري يُعدّ قاعدة راسخة من قواعد القانون الدولي العرفي[7]، ويشمل الحظر المطلق للاحتجاز السري أو بمعزل عن العالم الخارجي. كما أن فشل السلطات في إبلاغ أفراد الأسرة على وجه السرعة بمكان الاحتجاز والأساس القانوني لحرمان الشخص من حريته يُشكّل انتهاكًا للمادتين 17 و18 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فضلًا عن مخالفته لمعايير الأمم المتحدة التي تُلزم بتسجيل جميع المحتجزين واحتجازهم في أماكن احتجاز رسمية ومعترف بها. وتؤدي هذه الممارسات إلى وضع المحتجز خارج نطاق حماية القانون، وتزيد بشكل كبير من خطر تعرّضه للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما يتعارض مع المادتين 7 و10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومع اتفاقية مناهضة التعذيب. وكما أكدت الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي في تعليقه العام، فإن عدم تسجيل المحتجزين وعدم الكشف عن أماكن احتجازهم يُشكّل عنصرًا جوهريًا من عناصر جريمة الاختفاء القسري.[8]
ومن الجدير بالذكر أن لبنان قد وقّع وصادق على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وبروتوكولها الاختياري، إلا أنه لم يصادق بعد على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. إن انضمام لبنان إلى هذه الاتفاقية من شأنه أن يُلزمه بتجريم جريمة الاختفاء القسري في تشريعاته الوطنية، وضمان إجراء تحقيقات سريعة ونزيهة وشفافة، وتأمين سبل العدالة والجبر والتعويض للضحايا وأفراد أسرهم، فضلًا عن تعزيز امتثال لبنان لالتزاماته بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق النزاع السوري. وكما أشار الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي خلال دورته ال105، وفي تقريره السنوي لعام 2015 [9]، فإن «هناك رابطًا مباشرًا بين الهجرة والاختفاء القسري، إما لأن الأفراد يغادرون بلدانهم نتيجة تهديد أو خطر التعرّض للاختفاء القسري فيها، أو لأنهم يختفون أثناء رحلة الهجرة أو في بلد المقصد».
تشمل الوقاية من جريمة الاختفاء القسري على المدى الطويل وعلى المستوى البنيوي ضمان احترام المبادئ الدولية الأساسية، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية، إلى جانب اعتماد سياسات قائمة على الأدلة تهدف إلى تعزيز الوصول إلى الهجرة النظامية والآمنة والمنظمة، والعمل على توسيع المسارات النظامية للهجرة، ومعالجة أوجه الهشاشة المرتبطة بالهجرة والحدّ منها، وحماية الأرواح، ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتدريب وتجهيز سلطات الحدود على نحوٍ كافٍ، والبحث عن بدائل للاحتجاز، وتسهيل الوصول إلى المساعدة القنصلية والخدمات ذات الصلة.
يدعو كل من مركز الوصول لحقوق الإنسان ومركز سيدار للدراسات القانونية الدولة اللبنانية إلى:
- التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وتجريم جريمة الاختفاء القسري بشكل كامل في التشريع الوطني، بما يتماشى مع التزامات لبنان الملزمة بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. ويشمل ذلك ضمان إجراء تحقيقات سريعة ونزيهة ومستقلة وشفافة، وضمان الوصول إلى العدالة، وجبر الضرر، وتوفير ضمانات عدم التكرار للضحايا وأسرهم.
- منع وحظر الاختفاء القسري من خلال التنفيذ الكامل للقانون رقم 105/2018 والالتزامات الدولية للبنان، بما يضمن عدم احتجاز أي شخص بمعزل عن العالم الخارجي أو خارج حماية القانون، وتجريم أي أفعال تعيق التحقيقات، أو تخفي المعلومات، أو تمارس ضغوطًا على عمليات الكشف عن الحقيقة والمساءلة.
- ضمان عدم تنفيذ أي عملية توقيف أو اعتقال دون مذكرة قانونية صادرة عن سلطة قضائية مختصة (إلا في الحالات المحددة على نحوٍ صارم في القانون)، وضمان إبلاغ جميع الأشخاص الموقوفين فورًا بأسباب توقيفهم وبحقوقهم القانونية، وإحالتهم دون إبطاء إلى سلطة قضائية مختصة، وذلك بما يتوافق مع المعايير الدولية.
- ضمان وتيسير الوصول الفعّال إلى العدالة لضحايا الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري وأفراد أسرهم، بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحامٍ، والحق في التواصل مع المحامي وأفراد الأسرة، والتزام السلطات بالكشف السريع والدقيق عن مكان وجود المحتجز، ووضعه القانوني، ومكان احتجازه.
- ضمان الحقوق المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحامٍ، والتواصل مع أفراد الأسرة، والخضوع لفحص طبي، لا سيما بالنسبة للأشخاص المحتجزين بموجب أحكام تتعلق بالأمن أو الإرهاب.
- تمكين الرقابة المستقلة على جميع أماكن الاحتجاز، بما في ذلك من قبل هيئات الرقابة الوطنية والدولية، وذلك لمنع التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي وحالات الاختفاء القسري.
[1] ACHR Statement – Syrian refugees face arrest, disappearance and torture during UN supported Return Plan, 2 October 2025. See: https://achrights.org/en/2025/10/02/15965/
[2] CCLS UPR Submission, 15 July 2025. See: https://ccls-lebanon.org/wp-content/uploads/2025/07/LEB_UPR_CCLS-Report-1.pdf
[3] Article 2 of the ICPED and Preamble of the Declaration on the Protection of all Persons from Enforced Disappearance. See: https://www.ohchr.org/en/special-procedures/wg-disappearances/about-enforced-disappearance#:~:text=An%20enforced%20disappearance%20is%20considered,deprivation%20of%20liberty%20or%20by
[4] OHCHR – International Covenant on Civil and Political Rights: https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights
[5] Law No. 105/2018 on the Missing and Forcibly Disappeared Persons in Lebanon. See: https://cfkdl.org/definition-of-law-105
[6] Lebanon Constitution, adopted in 1926 amended in 1990:
[7] ICRC – Customary IHL – Enforced Disappearance. See: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v2/rule98
[8] See WGEID General Comment on Enforced Disappearance as a Continuous Crime: https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Issues/Disappearances/GC-EDCC.pdf
[9] تموز/يوليو 2017، A/HRC/36/39/Add.2